الرقيب السياسي

كي لا ننسى جراحنا

منتدى الإعلاميين

العراق.. إلى أين؟


النصب في العراق والحماية الدولية





تاريخ النشر: 2017-08-23 02:56:29

عدد القراءات: 597


النصب في العراق والحماية الدولية

محمد حياوي
في عالم يملأه القبح وموبقات الرأسمالية -الرّثةـ وقبح الإسلام السياسي، ويستشري فيه الفساد المالي وتفسد الذمم، لا بدّ أن تنحسر رقعة الجمال وتنقلب المفاهيم وتُنتهك الطبيعة وتُسحب رفاة الموتى من غياهب الماضي لتعاد محاكماتها خارج نطاق التاريخ.

ومن تطبيقات هذا الاختلال البهي في العراق، أن يدعو البعض، أو يخطط لا فرق، لهدم نصب الشهيد العملاق، بشطري قبّته الشهيرة، التي تفغر فمها باتجاه السماء، بدعوى إقامة نَصْب لما بات يُعرف بـ”شهداء سبايكر” مكانه، وكأن الأرض ضاقت بهم إلّا في هذه الرقعة من بغداد، المنتهكة معالمها الحضارية كلها في سنين السبي الأسود وهيمنة الشرائع المختلّة الخارجة من تحت الأرض وأقبية السراديب، لتنتشر كالنمل متسلّقة رقبة التاريخ قبل رقاب الجسور والطرقات والنُصب والنخل والقباب.

وتتصاعد الدعوات المشبوهة تلك في الآونة الأخيرة من بعض المسؤولين الجدد وبعض من يواليهم من المحسوبين على الثقافة من الطائفيين، الذين يعدّون نصب الشهيد إدانة للحرب العراقية-الإيرانية وتخليدا لأرواح الشهداء الذين سقطوا فيها، فيما يعدّ الكثيرون تلك التحفة المعماريّة والفنيّة رمزا لخلود الضحايا والجنود المجهولين الذين قدّموا حياتهم دفاعا عن وطنهم.

ويعدّ نصب الشهيد واحدا من أبرز المعالم المعمارية في بغداد، وهو من تصميم الفنان التشكيلي العراقي إسماعيل فتّاح الترك، وتكمن عبقرية التصميم في المنظور المتغير حسب زوايا الرؤية، إذ توحي مشاهدته بما يشبه الخداع البصري، لا سيما بالنسبة للرائي له من مسافة بعيدة، حيث يبدو شطرا القبّة متقاربين جدا قبل أن يأخذا بالابتعاد عن بعضهما البعض، وكأنّهما ينفتحان بمشهد قدسي ليفسحا المجال لسمو روح الشهيد من المنتصف، حيث العلم العراقي المتموج ونافورة الماء التي تهبط في شكل ثريا بلورية إلى أسفل النصب، حيث أقيمت مكونات أخرى على عمق ثلاثة أمتار، تضمنت متحفا ورموزا أخرى عديدة.

ويتألف النصب من منصة دائرية قطرها 190 مترا تجثم فوق متحف سفلي، وتحمل قبّة من شقّين يبلغ ارتفاعها 40 مترا، ويجثم النصب بأكمله وسط بحيرة صناعية واسعة تحيطها الحدائق.

وقامت بتنفيذ النصب وقتها شركة يابانية وفقا لمواصفات صارمة حدّدها المصممون والمهندسون العراقيون، وهي الشركة نفسها التي بنت دار الأوبرا الشهيرة في مدينة سيدني الأسترالية.

وعُرف الفنان والنحات العراقي الراحل إسماعيل فتّاح الترك بأعماله البانورامية الكبيرة والنصب الرائعة، التي نفذها لشخصيات ورموز عراقية مشهورة، مثل تمثال الشاعر معروف الرصافي الذي ينتصب وسط شارع الرشيد في الساحة التي سُميت باسمه قرب شارع المتنبي، والشاعر عبدالمحسن الكاظمي، الذي ينتصب وسط الساحة المسماة باسمه قرب مدينة الكاظمية، وتمثال الشاعر الشهير أبي نواس في حدائق شارع أبي نواس وغيرها من النصب المعروفة.

إن الردّة الظلامية المتخلفة التي تمارس الآن في العراق على أيدي الأحزاب الإسلامية الموالية لإيران، لم تكتف بتسميم حياة الناس البسطاء وحسب، بل تعدته لمحاولة النيل من الطابع الحضاري والمعماري العريق لمدينة بغداد، والقضاء على معالمها وطابعها التقليدي، من دون دراية تذكر، يحرّكها في ذلك ولاؤها الإقليمي وحقدها على كل ما هو جميل ومُلهم.

هذا بعد أن أهملوا إعادة تعمير شارع الرشيد العريق ومسرح الرشيد الشهير فقط لأنّهما يحملان اسم الخليفة العباسي هارون الرشيد، الذي يتهمه البعض بمعاداة آل بيت الرسول الكريم، في محاكمة غريبة وغير منصفة وخارج نطاق التاريخ، الأمر الذي يدعو بحقّ إلى المطالبة بوضع تلك النصب العظيمة والرموز التاريخية والمراكز التراثية والمواقع الأثرية في العراق عموما تحت الحماية الدولية.







إضافة تعليق على الموضوع

اسم الكاتب

نص التعليق